مجمع البحوث الاسلامية

164

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وامتناع رجوع ما في الثّاني إليها إلّا في الآخرة وقليل من يكاشفه بخلاف الأوّل ، ولذلك يشاهد كبراؤنا ويكاشف البرزخ الأوّل ، فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدّنياويّ من الحوادث ، ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى ، انتهى . واحتجّوا على المغائرة بينهما أيضا بوجوه : أحدها : إنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثّواب لكانت جنّة الخلد ، وكان من دخلها لم يخرج منها ، لقوله تعالى : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر : 48 ، وقد خرج آدم وزوجته منها ، فليست هي بجنّة الخلد . أقول : هذا ضعيف ، لأنّ ذلك إنّما يكون إذا استقرّ أهل الجنّة فيها للجزاء والثّواب ، والوصول إلى الغاية والنّهاية ، فأمّا قبل ذلك فإنّ كلّ شيء هالك إلّا وجهه . الثّاني : إنّ آدم لو كان في جنّة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى طه : 120 ، ولما سمع قوله : ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الأعراف : 20 . أقول : استحالة ذلك في بداية الأمر وقبل خروج النّفس من القوّة إلى الفعل ممنوع ، فإنّ الإنسان ما لم يقع في دار التّكليف والابتلاء ، فهو بعد سريع القبول للوقائع . الثّالث : إنّ إبليس لمّا امتنع من السّجود لعن ، فما كان يقدر مع غضب اللّه عليه على أن يصل إلى جنّة الخلد . أقول : كما استحال عقلا أن يدخل إبليس - بعد طرده ولعنه - الجنّة الآخرة ، كذلك استحال دخوله في الجنّة السّابقة ، إلّا أنّ العلماء ذكروا كيفيّة دخوله : أنّه على سبيل الاختلاس والاجتياز في أوقات قليلة نادرة ، كسارق يريد أن يدخل دار السّلاطين ويختطف منها شيئا ، ولذا قالوا : ويجوز أن يكون وسوسة إبليس من خارج الجنّة ، من حيث يستمعان كلامه . الرّابع : إنّ الجنّة الّتي هي دار الثّواب لا يفنى نعيمها ، لقوله تعالى : أُكُلُها دائِمٌ الرّعد : 35 ، وقوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هود : 108 ، أي غير مقطوع . فهذه الجنّة لو كانت هي الّتي دخلها آدم فلم يخرج منها آدم وزوجته ، لكنّهما قد خرجا منها . أقول : هذا كالوجه الأوّل ويرد عليه شبه مامرّ ، والتّحقيق الّذي عليه التّعويل أنّ الدّارين واحدة بالذّات ، متغائرة بالاعتبار ، وكذا جميع بدايات المقامات ، بالقياس إلى نظائرها من النّهايات ، فعليه يحمل أقوال أهل المعرفة واختلافهم . وأمّا أهل النّكرة والحجاب ، فمنهم من قال : إنّ هذه الجنّة الّتي خرج منها آدم كانت في الأرض لا في السّماء ، وهو قول أبي القاسم البلخيّ ، وأبي مسلم الأصفهانيّ ، وبه قال بعض أصحابنا ، فحملوا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة ، كما في قوله : اهْبِطُوا مِصْراً . وربّما عيّن وقيل : « إنّه بستان كان بأرض فلسطين ، أو بين فارس وكرمان ، خلقها اللّه امتحانا لآدم » وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند . واستدلّ على ذلك بأنّه لا نزاع في أنّ اللّه خلق آدم عليه السّلام في الأرض ، ولم يذكر في هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء ، ولو كان تعالى قد نقله إلى السّماء ، لكان ذلك